شعر حزين عن الموت

شعر حزين عن الموت

الموت

يأتي الموت فجأة من دون مقدّمات؛ حيث يسرق منّا الفرحة والسّعادة، يخطف منّا أحبّتنا، ويفرّق جمعنا، ويُخيّم على الحزن على قلوبنا. يأتي الموت فيصبح القمر بعد فقدان الأحبّة مُعتماً، والشّمس مظلمة، وتصبح حياتنا صحراء قاحلةً بلا أزهار ولا ملامح ولا ألوان، عندما يرحل الأحبّة لا نصدّق أنّهم لم يعودوا موجودين في عالمنا، لا نصدّق ولا نريد أن نصدّق أنّهم رحلوا وتركونا نعاني مرارة فقدانهم، فكم هي مريرةٌ لوعة الأشواق إليهم، وكم هي باردة وكئيبة ليالي العمر دون دفئهم وحنانهم الذي كان يغمرنا. الموت، هو تلك الكلمة التي تحمل في طيّاتها الكثير من المعاني الحزينة، والألم على فراق الأحبّة.


إنّ الطـبـيـــــب بطبــّه و دوائــه

يقول أبو العتاهية:

إنّ الطـبـيـــــب بطبــّه و دوائــه

لا يستطيع دفاع مكروه أتى


ما لِلطَبيبِ يَموتُ بِالداءِ الَّذي

قَد كانَ يُبرِئُ جُرحَهُ فيما مَضى


ذَهَبَ المُداوي وَالمُداوى وَالَّذي

جَلَبَ الدَواءَ وَباعَهُ وَمَنِ اِشتَرى


أسلمني الأهل بطن الـــــثرى

أسلمني الأهل بطن الـــــثرى

وانصرفوا عنّي فيا وحشتا


وغادروني معدوماً بائســــاً

مـــا بيدي اليـــــوم إلا البُكا


وكل ما كان كأن لم يكـــــــن

وكل ما حذّرته قــــــــد أتى


وذا كم الجموع والمقتنى

قد صار في كفّي مثل الــهبا


ولما جد لي مؤنسا ها هــنا

غير مجور موبق أو فاســـق


فلو تراني وترى حالتــــــي

بكيت لي يا صاح ممّـــا ترى


عجبت للإنسان في فخره

عجبت للإنسان في فخره

وهــــو غداً في قبره يُقبر


ما بال مـــن أوّلـه نـطفـة

وجيفــــة آخـــره يفــجــر


أصبح لا يملك تقديم مـــا

يرجو ولا تأخير مـا يحذر


وأصبح الأمر إلى غيره

فيكلّ ما يقضى وما يقدر


الموت ربع فناءٍ، لم يضع قدماً

يقول أبو العلاء المعري:

الموتُ رَبْعُ فَناءٍ، لم يَضَعْ قَدَماً

فيهِ امرؤٌ، فثَناها نحوَ ما ترَكا


والملكُ للَّهِ، من يَظفَرْ بنَيلِ غِنًى

يَرْدُدهُ قَسراً، وتضمنْ نفسه الدّركا


لو كانَ لي أو لغَيري قدْرُ أُنْمُلَةٍ

فوقَ الترابِ، لكانَ الأمرُ مُشترَكا


ولو صفا العَقلُ، ألقى الثّقلَ حامِلُه

عَنهُ، ولم تَرَ في الهَيجاءِ مُعتَرِكا


إنّ الأديمَ، الذي ألقاهُ صاحبُهُ

يُرْضي القَبيلَةَ في تَقسيمِهِ شُرَكا


دعِ القَطاةَ، فإنْ تُقدَرْ لِفيكَ تَبِتْ

إلَيهِ تَسري، ولم تَنصِبْ لها شرَكا


وللمَنايا سعَى الساعونَ، مُذْ خُلِقوا

فلا تُبالي أنَصَّ الرّكْبُ أم أركا


والحَتْفُ أيسرُ، والأرواحُ ناظرَةٌ

طَلاقَها من حَليلٍ، طالما فُرِكا


والشّخْصُ مثلُ نجيبٍ رامَ عنبرَةً

من المَنونِ، فلمّا سافَها بَرَكا


إن يقرب الموتُ مني

إن يقرب الموتُ مني

فلستُ أكرهُ قُرْبَهْ


وذاكَ أمنعُ حِصْنٍ

يصبِّرُ القبرَ دَرْبَهُ


منْ يَلقَهُ لا يراقبْ

خطباً، ولا يخشَ كُرْبَهُ


كأنني ربُّ إبلٍ

أضحى يمارسُ جُرْبه


أو ناشطٌ يتبغّى

في مُقفِر الأرض، عِربْه


وإنْ رُددتُ لأصلي

دُفنتُ في شرّ تُربه


والوقتُ مامرّ، إلا

وحلّ في العمر أُربه


كلٌّ يحاذرُ حتفاً

وليس يعدمُ شُربه


ويتّقي الصارِمَ العضـ

ـبَ، أن يباشر غَربه


والنزعُ، فوق فراشٍ

أشقُّ من ألف ضربه


واللُّبٌّ حارَبَ، فينا

طبْعاً يكابدُ حَرْبه


يا ساكنَ اللحدِ! عرّفـ

ـنيَ الحِمامَ وإربه


ولا تضنَّ، فإنّي

مَا لي، بذلك، دربه


يَكُرُّ في الناس كالأجـ

ـدَلِ، المعاود سِربه


أوْ كالمُعيرِ، من العا

سلات، يطرُقُ زربْه


لا ذات سِرْب يُعّري الرّ

دى، ولا ذات سُربه


وما أظُنُّ المنايا

تخطو كواكبَ جَرْبه


ستأخُذُ النّسرَ، والغَفْـ

ـرَ، والسِّماكَ، وتِربْه


فتّشنَ عن كلّ نفسٍ

شرْقَ الفضاء وغَربه


وزُرْنَ، عن غير بِرٍّ

عُجْمَ الأنام، وعُربه


ما ومضةُ من عقيقٍ

إلا تهيجُ طرْبه


هوىً تعبّدَ حُرّاً

فما يُحاولُ هرْبه


من رامني لمْ يجدْني

إنّ المنازلَ غُربَه


كانتْ مفارقُ جُونٌ

كأنها ريشُ غِرْبه


ثمّ انجلتْ، فعَجبنا

للقارِ بدّل صِرْبه


إذا خَمِصْتُ قليلاً

عددْتُ ذلك قُربه


وليسَ عندِيَ، من آلة

السُّرى، غيرُ قِرْبه


تباركت

يقول أبو العلاء المعري:

تباركتَ! إنّ الموتَ فرْضٌ على الفتى

ولوْ أنّهُ بَعضُ النّجومِ التي تسري


ورُبّ امرئ، كالنّسرِ في العزّ والعلا

هَوى بسِنانٍ، مثلِ قادمةِ النّسرِ


وهوّنَ ما نَلقَى، من البؤسِ، أنّنا

بنو سفَرٍ، أوْ عابرونَ على جِسرِ


وما يترُكُ الإنسانُ دُنياهُ، راضياً

بعِزٍّ، ولكنْ مُستَضاماً على قَسر


وما تَمنَعُ الآدابُ والمُلْكُ سَيّداً

كقابوسَ، في أيّامِهِ وفناخُسر


متى ألقَ، مِنْ بَعدِ المَنيّةِ، أُسْرَتي

أُخَبّرْهُمُ أني خَلَصتُ من الأسر


سَما نَفَرٌ، ضرْبَ المِئِينَ، ولم أزَلْ

بحمدِك مثلَ الكسرِ يُضربُ في الكسر


النفس تبكي على الدنيا

يقول علي بن علي بن أبي طالب:

النّفس تبكي على الدّنيا وقد علمت

أن السّعادة فيها ترك ما فيها


لا دار للمرء بعد الموت يسكنها

إلّا التي كان قبل الموت بانيها


فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه

وإن بناها بشرٍّ خاب بانيها


أموالنا لذوي الميراث نجمعها

ودورنا لخراب الدّهر نبنيها


أين الملوك التي كانت مسلطنةً

حتّى سقاها بكأس الموت ساقيها


فكم مدائن في الآفاق قد بُنيت

أمست خراباً وأفنى الموت أهليها


لا تركننّ إلى الدّنيا وما فيها

فالموت لا شكّ يفنينا ويفنيها


لكلّ نفس وإن كانت على وجل

من المنيّة آمال تقوّيها


المرء يبسطها والدّهر يقبضها

والنّفس تنشرها والموت يطويها


إنّما المكارم أخلاق مُطهّرة

الدّين أولّها والعقل ثانيها


والعلم ثالثها والحلم رابعها

والجود خامسها والفضل سادسها


والبرّ سابعها والشّكر ثامنها

والصّبر تاسعها والّلين باقيها


والنّفس تعلم أنّي لا أصادقها

ولست أرشد إلا حين أعصيها


واعمل لدار غداً رضوان خازنها

والجار أحمد والرّحمن ناشيها


قصورها ذهب والمسك طينتها

والزّعفران حشيش نابت فيها


أنهارها لبنٌ محمّضٌ ومن عسل

والخمر يجري رحيقاً في مجاريها


والطّير تجري على الأغصان عاكفةً

تسبّحُ الله جهراً في مغانيها


من يشتري الدّار في الفردوس يعمرها

بركعةِ في ظلام الّليليحييها

للأعلى للأسفل